هل لاحظت يومًا أن أحدهم يختفي فجأة عن المحادثة دون أي مبرر؟ هذا ما يسمى بسحبة الصمت. هي الطريقة التي يلجأ إليها البعض عندما يشعرون بأن الحديث لم يعد مُجديًا، أو أنهم غير مستعدين للمواجهة أو النقاش. غالبًا ما يُساء فهم هذا النوع من السحبات، فيُفسر على أنه تجاهل أو استعلاء، لكنه في الحقيقة قد يكون صرخة صامتة تقول: "أنا مرهق، دعني أتنفس."
في العلاقات العاطفية مثلًا، تُستخدم سحبة الصمت كوسيلة للهروب من التصعيد. وقد تكون أيضًا علامة على الجفاء العاطفي إذا تكررت كثيرًا دون تفسير. ولكن في بعض الأحيان، يمكن أن تكون هذه السحبة مؤقتة وصحية، عندما تمنح الشخص فرصة لإعادة تقييم الأمور بهدوء.
ومن الجانب الآخر، يجب الانتباه إلى أن استمرار هذا النوع من السحبات يُهدد العلاقة بين الطرفين، لأنه يُغلق باب الحوار ويُطفئ جذوة التواصل. فالأفضل دائمًا هو أن يصاحب الصمت رسالة بسيطة: "أحتاج وقتًا لأفكر." بهذه الطريقة، لا تترك الطرف الآخر حائرًا أو مُنهكًا عاطفيًا.
سحبة الانسحاب
سحبة الانسحاب تحدث عندما يقرر الشخص فجأة الابتعاد عن الدائرة الاجتماعية أو العاطفية، ويبدو وكأنه انسحب من المشهد تمامًا. هذا النوع شائع جدًا لدى الأشخاص الذين يشعرون بالإرهاق من التوقعات الاجتماعية أو الضغوط النفسية. وهو بمثابة دفاع ذاتي يحميهم من الانفجار أو الانهيار.
الانسحاب قد يبدو وكأنه "هروب"، لكنه في بعض الحالات ضرورة حتمية للنجاة. تخيّل نفسك وسط بحر من الأصوات والطلبات والانتقادات... طبيعي أن تبحث عن "مخرج طوارئ". لكن المشكلة تنشأ عندما يتحول هذا السلوك إلى نمط دائم، حيث يصبح الانسحاب هو الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الضغوط، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
يجب أن يُرافق الانسحاب نوع من الوضوح مع المقربين، حتى لا يفسروه كرفض أو قطيعة. الكلمات البسيطة مثل "أنا بحاجة لأبتعد قليلاً لأستعيد طاقتي" تصنع فرقًا كبيرًا. فالصدق في المشاعر يحمي العلاقات من الانهيار ويمنع سوء التفاهم.
سحبة التجاهل
سحبة التجاهل هي واحدة من أكثر السحبات إيلامًا، خصوصًا إذا جاءت من شخص مقرّب. تتجلى هذه السحبة عندما يتعمّد الشخص تجاهلك رغم معرفته بأنك تحتاجه. قد لا يرد على رسائلك، لا يجيب على مكالماتك، أو يتصرف وكأنك غير موجود.
غالبًا ما يستخدم التجاهل كأداة للضغط أو العقاب، لكنه في النهاية سلوك يُشوّه العلاقة. الشخص الذي يُمارس هذه السحبة غالبًا ما يشعر بعدم الأمان أو الرغبة في فرض السيطرة. ومن هنا، تصبح هذه الطريقة مؤشرًا على وجود خلل في التواصل، وربما مشكلة أكبر تحتاج إلى مواجهة جادة.
من جهة أخرى، البعض يستخدم التجاهل كوسيلة للابتعاد المؤقت دون الدخول في مواجهة مباشرة. وهو أمر غير صحي على المدى الطويل. فالتجاهل يزرع الشك في النفس، ويُشعل نار الأسئلة غير المجابة: "هل أخطأت؟ هل انتهت العلاقة؟ هل هناك شخص آخر؟"
ولعل العلاج الأهم لهذه السحبة هو بناء ثقافة الصراحة والاحترام المتبادل، والابتعاد عن استخدام الصمت كعقاب، لأنه يُخلّف ندوبًا نفسية لا تُشفى بسهولة.
سحبة المزاح أو "التطنيش الماكر"
هذا النوع من السحبات ناعم وخفيّ. لا يظهر في شكل انسحاب مباشر أو تجاهل، بل يُموّه داخل المزاح أو التصرفات العابثة. الشخص هنا يُخفي مشاعره الحقيقية تحت غطاء "الضحك" أو "البرود"، لكنه في الداخل يمر بحالة مزاجية معقدة.
في الحقيقة، هذا النوع من السحبات أكثر شيوعًا مما نعتقد. كم مرة قلت "أنا تمام" وأنت من الداخل تنهار؟! إنها آلية دفاع كلاسيكية، حيث يخشى الفرد من مشاركة ألمه فيلجأ إلى تخفيفه بالسخرية أو المزاح الزائد.
المشكلة أن من حولك قد لا ينتبهون لمعاناتك، لأنك "تضحك وتمازح". وهنا تصبح سحبة المزاج قاتلة صامتة. ولذا، من المهم أن نتعلم قراءة ما بين السطور، وأن نُدرك أن الضحك لا يعني دائمًا أن الشخص بخير.
أما إذا كنت أنت من يستخدم هذا النوع من السحبات، فحاول أن تُعطي نفسك مساحة للصدق، ولو مرة. عبّر عن مشاعرك بوضوح، حتى لو بطريقة بسيطة، لأن كتم الألم خلف المزاح يُهلكك داخليًا ويُبعدك عن الناس دون أن يشعروا.
الأسباب النفسية وراء سحبات المزاج
الاضطرابات المزاجية
الاضطرابات المزاجية مثل الاكتئاب أو اضطراب ثنائي القطب تلعب دورًا كبيرًا في ظهور سحبات المزاج. الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالات غالبًا ما يمرون بتقلبات حادة في المشاعر، تجعلهم يتصرفون أحيانًا بطريقة غير مفهومة لمن حولهم.
على سبيل المثال، قد يستيقظ الشخص في قمة النشاط والتفاؤل، ثم يدخل فجأة في حالة من الصمت والانغلاق. وهذه ليست مجرد "مزاجية"، بل اضطراب كيميائي في الدماغ يُؤثر على طريقة التفكير والتفاعل مع العالم. فليس كل انسحاب أو صمت هو خيار شخصي، أحيانًا يكون نتيجة لحالة صحية تحتاج إلى علاج.
ومن المهم التمييز بين "سحبة مزاج عابرة" وبين علامات الاضطراب الحقيقي. إذا كانت هذه السحبات متكررة، مؤثرة على العمل والعلاقات، ومصحوبة بمشاعر حزن عميق أو انعدام للطاقة، فربما حان الوقت لطلب المساعدة من مختص نفسي.
الوعي بهذه النقطة لا يُساعد فقط الشخص المتأثر، بل يُجنّب المحيطين به ردود فعل مؤذية قد تزيد من ألمه. فبدلًا من قول: "أنت معقد!" يمكننا أن نسأل: "هل تريد الحديث؟ أنا هنا."
التراكمات العاطفية
سحبات المزاج ليست دائمًا نتيجة لحالة نفسية واضحة أو اضطراب مزاجي؛ أحيانًا تكون ببساطة نتيجة تراكمات عاطفية لم تجد طريقها للتنفيس. كل كلمة قاسية، كل موقف تم تجاهله، كل شعور لم يُعبَّر عنه، يتراكم داخل النفس حتى يصل لمرحلة الانفجار... أو الانسحاب الصامت.
التراكمات العاطفية تُشبه إلى حد كبير عبوة ضغط مغلقة. ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب على الشخص تفسير سبب مزاجه السيئ، لأنه لا يعود موقفًا واحدًا بل "كل شيء" دفعة واحدة. وهذا ما يجعل سحبة المزاج في هذه الحالة دفاعًا طبيعيًا ضد الانهيار.
في العلاقات، هذه التراكمات قد تظهر بشكل غير مباشر. الشخص لا يشتكي، لا يتحدث، لكنه يتغير فجأة... يقل حضوره، يقل حماسه، ويبدأ في الانسحاب التدريجي. هنا تبدأ علامات "سحبة المزاج" في الظهور دون سابق إنذار.
أفضل علاج لهذا النوع من السحبات هو التعبير المستمر والصادق. لا تترك المشاعر تتراكم، عبّر عنها أولًا بأول. واجعل لنفسك مساحة للفضفضة، سواء مع صديق، أو من خلال الكتابة، أو حتى العلاج النفسي. لا تجعل صمتك مقبرة لمشاعرك.
الضغوط اليومية والتعب النفسي
أحيانًا لا يكون هناك سبب عميق أو مأسوي وراء سحبة المزاج. مجرد يوم سيئ في العمل، ازدحام مروري، مشكلة بسيطة في المنزل... كلها أسباب "بسيطة" قد تتراكم لتشكل ضغطًا نفسيًا يؤدي إلى انسحاب مؤقت. هذا النوع من السحبات هو الأكثر شيوعًا بين الناس.
لكن المشكلة ليست في الضغط بحد ذاته، بل في عدم وجود طرق سليمة للتفريغ. البعض يلجأ للنوم، البعض الآخر للموسيقى أو العزلة، بينما يُفضل آخرون ممارسة الرياضة أو الخروج. لكن إن لم يجد الشخص وسيلة مناسبة، يتحول التوتر إلى مزاج متعكر يؤدي لسحبة مفاجئة.
من المهم إدراك أن هذه السحبات ليست دائمًا مؤشرًا على وجود مشكلة في العلاقة أو خلل في النفسية. أحيانًا هي مجرد "استراحة محارب" يحتاجها الشخص ليُعيد توازنه. لذلك، لا تأخذ الأمور على محمل شخصي دائمًا، بل اسأل بلطف: "كيف يومك؟ هل تحتاج لشيء؟"
وهنا تظهر أهمية الدعم العاطفي من المحيطين. كلمة طيبة، سؤال بسيط، أو حتى فنجان قهوة بصمت، قد يُحدث فرقًا كبيرًا. فالتعب النفسي لا يحتاج دائمًا إلى علاج... بل إلى حضن، أو اهتمام حقيقي، أو وقت مستقطع.
متى تكون سحبة المزاج صحية؟
الحاجة للهدوء
في بعض الأحيان، تكون سحبة المزاج فعلًا صحيًا. تخيّل نفسك وسط صخب الحياة، ضجيج العمل، التزامات الأسرة، وتوقعات الآخرين... ألا تحتاج لأن تنسحب قليلًا وتعيد ترتيب أفكارك؟ هذه السحبة تُشبه تمامًا الضغط على زر "إعادة التشغيل".
الحاجة للهدوء ليست ضعفًا ولا هروبًا، بل هي مهارة. الشخص الواعي هو الذي يُدرك متى تجاوز طاقته، ويختار الابتعاد قبل أن يُخطئ أو يُؤذي. وهذا النوع من السحبات لا يعني التجاهل، بل هو فعل حب للنفس، محاولة للبقاء متوازنًا.
عندما تكون سحبة المزاج بهدف التهدئة وليس العقاب، تُصبح صحية ومُحترمة. لكن بشرط: أن تُوضّح للآخرين أنك بحاجة للهدوء، وأنك ستعود. الصمت المُفاجئ دون تفسير يخلق فجوة، بينما الشرح البسيط يخلق تفهُّمًا.
فإذا شعرت يومًا بأن الضجيج حولك لا يُطاق، لا تتردد في الانسحاب المؤقت. فقط تأكّد أن هذا الانسحاب واضح وصادق، حتى لا يتحوّل لسوء فهم أو جرح غير مقصود لمن يحبك.
تفادي الانفجار العاطفي
هل حدث يومًا أن كنت على وشك قول شيء تندم عليه؟ أو شعرت بأنك على حافة البكاء أو الغضب؟ هنا، تأتي سحبة المزاج كحل وقائي، كدرع نفسي يمنعك من إيذاء نفسك أو الآخرين بكلمات أو تصرفات غاضبة.
في هذه الحالة، السحبة تُشبه المكابح اليدوية التي تُوقف السيارة قبل الاصطدام. هي تصرّف ذكي من الشخص الذي يعرف حدوده، ويُدرك أن الانفعال قد يؤدي لعواقب لا تُحمد. وفي هذه الحالة، السحبة ليست فقط مبررة، بل ضرورية.
لكن تذكّر، أن تتوقف لا يعني أن تتجاهل. بعد أن تهدأ، من الضروري العودة للحوار أو الموقف الذي انسحبت منه، ومعالجته. لأن السحبة المؤقتة جيدة، لكن التجاهل المستمر يخلق جروحًا أعمق من أي انفجار.
اجعل من سحباتك وسيلة للحماية لا للهرب. انسحب لتفكر، لا لتُعاقب. وخذ وقتك، لكن لا تُغلق الأبواب تمامًا، لأنك قد تجد صعوبة في فتحها لاحقًا.
إعادة ضبط العلاقات الشخصية
أحيانًا تأتي سحبة المزاج في وقتها تمامًا لتكون فرصة لإعادة تقييم العلاقات. عندما تشعر بأن طاقتك تُستنزف، أو أن العلاقة أصبحت عبئًا بدلًا من أن تكون دعمًا، فإن السحبة هنا تُشبه مراجعة الحسابات. لست بحاجة لشرح طويل، فقط انسحاب مؤقت يكشف لك الصورة من بعيد.
في كثير من الأحيان، لا ترى خلل العلاقة إلا عندما تبتعد قليلًا. فالقرب الزائد يُعمينا عن التفاصيل. والسحبة هنا تُساعدك على أن تُقرر: هل تستمر؟ هل تُعدّل؟ أم تنهي؟
ومن المفيد أن تُرافق سحبة المزاج "محادثة مع النفس". ما الذي أزعجك؟ هل كان بإمكانك التعبير بشكل أفضل؟ وهل الشخص الآخر واعٍ بما تريده أم تظن أنه يقرأ أفكارك؟
إذا خرجت من السحبة بفهم أعمق لنفسك، ونضج في تعاملك، فهي إذًا كانت صحية وضرورية. أما إذا زادتك غموضًا وانغلاقًا، فقد تحتاج لإعادة التفكير في طريقة التعامل مع مشاعرك.
الآثار السلبية لسحبات المزاج
الانفصال العاطفي
عندما تتحول سحبات المزاج من فعل مؤقت إلى عادة مزمنة، فإنها تزرع بذور الانفصال العاطفي. تخيّل أن تعيش مع شخص تحبه، لكن لا تعرف أبدًا كيف يشعر، ولا متى سيختفي دون إنذار. هنا، تبدأ المسافة العاطفية في التمدد، لتصبح هوة يصعب ردمها.
الانفصال العاطفي لا يحدث فجأة، بل يتكون على مراحل. تبدأ بعدم الرد على الرسائل، مرورًا بعدم الرغبة في التحدث، وصولًا إلى التجاهل التام. ومع مرور الوقت، يصبح الحضور الجسدي بلا معنى، لأن القلوب لم تعد تتواصل. وهذا ما يجعل سحبة المزاج في هذه الحالة أشبه بحبل يُخنق به الرابط العاطفي.
الشخص الذي يُمارس سحبات مزاج متكررة قد لا يشعر في البداية بالتأثير، لكنه لاحقًا يُصدم بأن الشريك لم يعد مهتمًا، أو أن العلاقة أصبحت مملة أو مرهقة. وهذا ليس لأن الشريك تغيّر، بل لأن الإهمال العاطفي قتل الحميمية تدريجيًا.
العلاقات القوية تحتاج لتواصل مستمر. لا بأس من الانسحاب المؤقت، لكن لا تجعل منه قاعدة. تذكّر أن التواصل ليس فقط بالكلمات، بل بالنظرات، بالوجود، بالاهتمام الصغير. فالسحب المتكرر يطفئ الشغف، ويزرع البرود في القلوب.
سوء الفهم والتواصل
سوء الفهم هو أحد أكبر نتائج سحبات المزاج المتكررة. لأن الانسحاب دون تفسير يفتح الباب للتخمينات، وكل شخص يفسر السحبة من منظوره الخاص. قد تظن أنك تحمي نفسك، بينما يظن الطرف الآخر أنك لا تهتم. وقد تظن أنك فقط تحتاج للهدوء، بينما يشعر الطرف الآخر بأنك تهرب من المواجهة.
في غياب التوضيح، تُصبح كل سحبة مصدرًا للقلق. لماذا اختفى؟ هل أخطأت؟ هل انتهى كل شيء؟ وهذا الضغط النفسي قد يُدمر ثقة الطرف الآخر، ويجعله يعيش في حالة دائمة من الشك والحذر، بدلًا من الأمان والراحة.
من هنا، يُصبح الوضوح هو العلاج الأول لسوء الفهم. لا تُسحب بصمت، بل أخبر الطرف الآخر بما تشعر به. حتى وإن كانت كلماتك بسيطة مثل: "أنا متضايق شوي واحتاج وقت." هذه الجملة كفيلة بإغلاق باب الافتراضات، وفتح باب التفهّم.
وفي المقابل، على الطرف الآخر أن يتعلّم ألا يأخذ كل سحبة على محمل شخصي. فبعض الأشخاص ينسحبون لأنهم لا يعرفون كيف يطلبون المساعدة، أو لأنهم خائفون من الإزعاج. لذا، التعاطف هو الخطوة الأولى لبناء جسور التواصل.
الإضرار بالصحة النفسية
الإفراط في سحبات المزاج قد يؤدي إلى نتائج نفسية عكسية تمامًا. فبدلًا من أن تكون وسيلة للراحة، قد تتحول إلى حلقة مفرغة من العزلة، الشعور بالذنب، والاكتئاب. كل مرة تنسحب فيها دون علاج حقيقي للمشكلة، فأنت فقط تُخدّر الألم، لا تُعالجه.
الخطير في الأمر أن الشخص يبدأ في تبرير انسحابه بأنه "يحمي نفسه"، بينما الحقيقة أنه يتهرب من المواجهة. ومع الوقت، يُصبح الانسحاب عادة نفسية تُؤدي إلى ضعف مهارات التعبير، وفقدان القدرة على التعامل مع التوتر.
أيضًا، كثرة الانسحاب قد تُضعف الثقة بالنفس. الشخص الذي يشعر دائمًا بالحاجة للابتعاد قد يبدأ في الشك في قدرته على التكيف، أو في قيمة نفسه أمام الآخرين. وهذا الشعور يُغذي القلق، ويُعمّق الإحساس بالوحدة.
ولكي لا تتحول السحبة من دواء إلى داء، يجب أن تُستخدم بوعي. خذ وقتك، نعم. لكن لا تجعل من العزلة سجنًا. وإذا شعرت أن الانسحاب أصبح نمط حياة، فربما تحتاج لمساعدة مختص نفسي يُساعدك على إعادة التوازن لحياتك العاطفية والشخصية.
كيف تتعامل مع شخص يمر بسحبة مزاج؟
لا تفرض نفسك
أول وأهم قاعدة عند التعامل مع شخص يمر بسحبة مزاج هي: لا تفرض وجودك. من الطبيعي أن تشعر بالقلق أو الفضول، لكن الضغط عليه بالكلام أو الأسئلة قد يزيد الوضع سوءًا. تذكّر أن هذا الشخص انسحب لأنه يحتاج لمساحة، فاحترم هذه المساحة.
لكن هذا لا يعني أن تتجاهله تمامًا. تواصل بلطف. أرسل له رسالة قصيرة تقول: "أنا هنا إذا احتجتني." هذه الجملة الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا. فهي تُشعره بأنه ليس وحده، دون أن تُرهقه بالمزيد من التفاعل.
وتجنّب الأسئلة الكثيرة مثل: "ليش كذا؟"، أو "وش فيك؟"، لأنها توتر الشخص أكثر. استبدلها بعبارات داعمة مثل: "خذ راحتك، بس تذكر إني معك." هذه اللغة الحنونة تفتح باب العودة، وتمنح الأمان النفسي دون ضغط.
قدّم دعمك بلطف
عندما يمر شخص بسحبة مزاج، ما يحتاجه منك ليس "حلولًا فورية"، بل "حضورًا مطمئنًا". أحيانًا يكفي أن تكون موجودًا دون أن تتحدث كثيرًا. اجلس بجانبه، أرسل له مقطعًا مضحكًا، أو احضر له قهوته المفضلة بصمت... هذه الأفعال الصغيرة تُشبه البلسم للجروح النفسية.
الدعم لا يعني دائمًا النصيحة. في بعض الأحيان، مجرد الاستماع دون تعليق هو أعظم دعم. قل له: "أنا أسمعك، خذ راحتك." ولا تحاول إصلاح كل شيء أو تفسير مشاعره له. اترك له مساحة ليشعر ويُعبّر بطريقته.
أيضًا، لا تُقلل من مشاعره. تجنب جمل مثل: "ما تستاهل"، أو "مبالغ في الموضوع"، لأن هذه الكلمات تُشعره بأنه غير مفهوم. بدلًا من ذلك، عبّر عن تعاطفك بصدق، وقل: "أتفهم شعورك، وإذا في شيء أقدر أساعدك فيه، أنا حاضر."
المفتاح هو أن تكون "شخصًا يمكن الاعتماد عليه"، لا "قاضيًا أو محللًا نفسيًا". ادعمه بحضورك، بصبرك، وبكلماتك الدافئة، وستجد أنه يعود أقوى مما كان.
تجنّب النقد والتقليل من مشاعره
سحبة المزاج، كما ذكرنا، ليست دائمًا تحت السيطرة. فالبعض لا يعرف كيف يعبّر، فينسحب بصمت. لذلك، فإن نقد هذا التصرف مباشرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية. تجنب أن تقول له: "ليش تسحب كذا؟" أو "هذا تصرف طفولي." فبدلًا من أن تساعده، قد تدفعه للابتعاد أكثر.
بدلًا من النقد، حاول الفهم. اسأله لاحقًا، بعد أن يهدأ: "وش صار؟ كيف حسّيت وقتها؟" هذا النوع من الأسئلة يفتح حوارًا بنّاءً دون أن يُشعره بأنه في موضع اتهام.
أيضًا، تجنب إسقاطاتك الخاصة عليه. لا تُقارن مزاجه بمزاجك، أو تجربته بتجربتك. كل إنسان يتعامل مع الضغط والمشاعر بطريقته. فقط لأنك لا تنسحب وقت الضيق، لا يعني أن الآخرين مخطئون حين يفعلون.
كن صبورًا، واذكر نفسك دائمًا: "أنا هنا لأدعم، لا لأدين." بهذه الطريقة، تُساعده على بناء ثقة داخلية تجعله أكثر انفتاحًا وتواصلاً مستقبلاً.
كيف تتعامل مع سحبة المزاج الخاصة بك؟
الاعتراف بالمشاعر أول خطوة
أحيانًا نسحب لأننا لا نعرف كيف نُعبّر عمّا نشعر به. لذلك، أول خطوة في التعامل مع سحبة مزاجك هي الاعتراف بمشاعرك. قل لنفسك بصراحة: "أنا متضايق"، "أنا مرهق"، أو "أنا خائف". هذه الخطوة البسيطة تُحرّرك من ثقل الإنكار، وتمنحك فرصة لفهم نفسك بشكل أعمق.
المشاعر التي لا نُسميها تبقى حبيسة بداخلنا، وتتحول لاحقًا إلى سلوكيات غير مفهومة. قد تصبح عصبيًا، أو تنعزل دون سبب واضح. لذلك، اسمح لنفسك أن تعيش مشاعرك دون خجل أو نكران.
اكتب ما تشعر به في ورقة، أو سجّل صوتك وأنت تتحدث مع نفسك. لا تُقلل من قوة هذه الطرق البسيطة في تنظيم المشاعر. وذكّر نفسك دائمًا: "أنا أستحق أن أفهم نفسي، وأستحق أن أُعبّر عنها."
لا تجعل السحبة نمط حياة
من الطبيعي أن تسحب أحيانًا، لكن الخطورة تبدأ حين تتحول السحبة إلى نمط حياة دائم. انسحاب دائم من العلاقات، من العمل، من الحوار، وحتى من نفسك... هذه إشارات خطر تحتاج لتوقف فوري.
اسأل نفسك: هل كل مرة أواجه فيها مشكلة أنسحب؟ هل أتهرب من المواجهة؟ هل سحبتي صارت طريقتي الوحيدة للتعامل مع الضغوط؟ إذا كانت الإجابة نعم، فربما حان وقت إعادة النظر في سلوكياتك.
ابحث عن بدائل صحية للسحبة. مارس الرياضة، تحدث مع صديق، اطلب جلسة دعم نفسي، أو حتى غيّر روتينك اليومي. المهم أن تكسر دائرة الانسحاب قبل أن تلتف حولك وتخنقك.
واعلم أن الرجوع عن السحبة لا يعني أنك ضعيف. بل هو دليل على شجاعتك في مواجهة ذاتك، ومحاولة النهوض من جديد. وكل مرة تعود فيها من انسحابك، أنت تبني نفسك من جديد.
التحدث والبوح بالمشاعر
الصمت المبالغ فيه هو عدوّك الأول في التعامل مع سحبات المزاج. التحدث والبوح بالمشاعر هو صمام الأمان الذي يمنع الانفجار الداخلي. لذلك، لا تترك نفسك تُصارع بصمت. تحدّث، حتى لو كنت لا تعرف كيف تصيغ ما تشعر به.
ابدأ بجمل بسيطة مثل: "أنا مضغوط اليوم"، "ما لي خلق"، "حاس إني تايه شوي". لا تبحث عن العبارات المثالية، فقط كن صادقًا. وستُفاجأ بأن التحدث يحررك من نصف الثقل النفسي.
البوح لا يجب أن يكون أمام الجميع. شخص واحد يكفي. أو حتى دفتر يوميات. أو رسالة صوتية لنفسك. الأهم أن تُخرج ما بداخلك قبل أن يتحول إلى سحبة مزمنة تُشوّه حياتك وعلاقاتك.
ولا تخف من الأحكام. مشاعرك ليست خطأ، وطريقة تعبيرك عنها لا يجب أن تُرضي أحدًا سواك. البوح هو فعل شجاعة، لا ضعف. وكل مرة تتحدث فيها، فأنت تخطو خطوة نحو الشفاء.
الخاتمة
سحبات المزاج، رغم أنها تبدو أحيانًا مؤذية أو غامضة، إلا أنها في العمق رسالة خفية من النفس: "أنا بحاجة لراحة، لاهتمام، لفهم." هي ليست دائمًا هروبًا، بل أحيانًا دفاعًا. ولكن المفتاح هنا هو كيف نستخدم هذه السحبات: هل نُعبّر عنها؟ هل نُعالجها؟ هل نُوضّحها لمن حولنا؟
الصمت المؤقت ليس خطأ، لكنه لا يجب أن يكون وسيلة دائمة للتعامل مع الحياة. التواصل، الوضوح، والصدق مع الذات هم الحصانة الحقيقية من الآثار السلبية لسحبات المزاج. وإذا كنت تمر بسحبة الآن، خذ وقتك، لكن لا تنسَ أن تعود.
وعندما ترى من حولك يسحبون، لا تحكم عليهم، بل اسألهم: "كيف أقدر أساعدك؟" فالكلمة الطيبة، والاهتمام الصادق، يملكون قدرة خارقة على الشفاء. لأننا في النهاية، كلنا بشر، نحزن، نفرح، نحتاج من يفهم، ومن يبقى.

